عبد الملك بن زهر الأندلسي
112
التيسير في المداواة والتدبير
المسعور إذا بلغ المسعور الغاية وأخذ في زجاجة ، ظهرت في الماء أجزاء « 767 » دقاق لا يشك الناظر إليها أنها جراء كلب ، فإن صفي الماء بخرقة لم يوجد لها عين ولا أثر . فإن أعيد الماء في الزجاجة وترك ساعة ثم نظرت إليه ، رأيت الجراء بينة الظهور مرة ثانية . وهذا شيء الكلام على سببه ممكن ، غير أني لا أثق بصدق الحجة عليه فأدعه ، فكل ما يكون على طريق الإقناع لا تجب الثقة به . وأمّا إن كان سوء المزاج عن يبس ساذج في جوهر الدماغ ، فإنّ ما يكون وسواس سوء وأفكار رديّة وضروب من الجزع . ويكون التخيل وسوء الظّن « 768 » من نقصان جوهر الدماغ ، كما يعرض لمن أفرط وتناهى في طول العمر ، وكل ذلك بقدر . فإن قال قائل : كان يجب من حيث أن يكون نقصان جوهر الدماغ يوجب التخيل في الشيخ « 769 » ، كان يجب وفوره في سن الطفولية أن يوجب جودة الذهن وصحة النظر في الأطفال أشد ، ونحن نرى أن الشيوخ ولو عزبت « 770 » أذهانهم ما عسى أن تعزب ، نظرهم أصحّ من نظر الأطفال قبل الإثغار وفي خلاله . فالجواب كما أن الشيوخ يخلّ بنظرهم قلة الجوهر ، كذلك الأطفال يخل بنظرهم كثرة ما يخالط جوهر أدمغتهم مما هو مستعد لأن يلصق وينمي جوهر أدمغتهم مما هو له كالغذاء المعّد ، وهو في تلك الحال في حال التهيئة مع إفراط الرطوبة الطبيعية ، نعم ، والرطوبة الفضلية . ولذلك يكون نومهم كثيرا طويلا ويقظتهم قليلة المدة ، وتكثر الفضول في أنوفهم وأبدانهم أجمع . وبالجملة فإنما هو الطفل في حد الكون لأن يكون ناطقا عاقلا إذا كمل ، وهذه الدرجة هي درجة المستكمل . فكما أن أعضاءهم دون مستكملة في مقدارها ، وقدودهم كذلك ، تكون
--> ( 767 ) ك ل : أجزاء ( 768 ) ط ك ل : النظر ( 769 ) ك : التشنج ( 770 ) ب : عريت . وعزبت أذهانهم من قولهم : عزب الشيء عنه يعزب ويعزب عزوبا بعد وغاب وخفي